حيدر حب الله
301
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
يُضاف إلى ذلك أنّ كثرة الرواية دليل قُربهم من أهل البيت وحبّهم لهم ، وعلى أنهم - مع تعدّدها كماً وكيفاً - مطّلعون على أسرار الشريعة « 1 » . والجواب : إنّ كثرة الرواية ظاهرة تتعدّد مناشؤها ومبرّراتها ، وما ذُكر قد يكون أحد مناشئها ، إلا أنّ لها أسبابها الأخرى ، فالرغبة في المنصب الاجتماعي قد تكون سبباً ، والرغبة في الدفاع عن عقائد مذهبه وفرقته قد تكون سبباً أيضاً ، والرغبة في تخليص نفسه من بعض الأمور والهموم أمام الآخرين تكون سبباً في كثرة الرواية ، وقد يكون التديّن نفسه عامل كثرة الرواية بلا صدق ، كما فيما ذكروه في أنواع الوضّاعين من أنّ بعضهم كان يضع الحديث لحثّ الناس على الدين ، وقد يكون المبرّر هو الزندقة وإرادة السوء بالدين ، فمع هذا كلّه كيف نحصر أسباب كثرة الرواية بالتديّن الكاشف عن الصدق ؟ ! أضف إلى ذلك وجود كذّابين كُثر نصّوا على كذبهم مع كثرة روايتهم ، خاصّة إذا أخذنا بعين الاعتبار ما هو خارج دائرة كلّ مذهب من وجهة نظر أبناء هذا المذهب أو ذاك ، مما يعني إمكان الجمع بين الكذب وكثرة الرواية ، فلا تكون كثرة الرواية شاهداً حاسماً لوحدها . بل يمكن أن نقول أكثر من ذلك ، وهو أنّ كثرة الرواية قد تكون عنصراً مشكّكاً في ضبط الراوي ؛ لأنّه كلّما كثرت روايته زاد احتمال وقوعه في الاضطراب وعدم الدقّة وفي خلط الأسانيد أو المتون ببعضها ، لا سيما في الروايات الشفويّة كروايات القرن الأوّل وشطر من القرن الثاني الهجري ؛ من هنا احتمل الآمدي في أبحاثه الأصولية - وإن جَعَلَهُ بعيداً - أن يكون إنكار الصحابة على الصحابي أبي هريرة من باب أنّ الإكثار من الرواية لا يؤمَن معه اختلال الضبط الذي لا يعرض لمن قلّت رواياته « 2 » . ومعه ، فلا أماريّة أساساً في كثرة الرواية على الصدق أو العدالة أو حُسن الحال ، فضلًا
--> ( 1 ) انظر : علي الفاني ، بحوث في فقه الرجال : 160 . ( 2 ) الإحكام 2 : 76 .